محمد متولي الشعراوي
706
تفسير الشعراوي
والخلاف الثاني في الآيتين هو في جوابهم على كلام الحق ، ففي هذه السورة - سورة البقرة - قالوا : « بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا » وهذا القول فيه مؤاخذة لهم . لكنهم في سورة المائدة قالوا : « حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا » ، وهذه تعنى أنهم اكتفوا بما عندهم ؛ ونفوا اتباع منهج السماء ، وهذا الموقف أقوى وأشد نفيا ، لذلك نجد أن الحق لم يخاطبهم في هذه الآية ب « اتَّبِعُوا » بل قال لهم : « تَعالَوْا » أي ارتفعوا من حضيض ما عندكم إلى الإيمان بمنهج السماء . ومادمتم قد قلتم : حسبنا بملء الفم ؛ فهذا يعنى أنكم اكتفيتم بما أنتم عليه . وكلمة « حَسْبُنا » فيها بحث لطيف ؛ لأن من يقول هذه الكلمة قد حسب كلامه واكتفى ، وكلمة الحساب تدل على الدقة ، والحساب يفيد العدد والأرقام . فقولهم : « حَسْبُنا » تعنى أنهم حسبوا الأمر واكتفوا به ونجد كل ورود لهذه الكلمة في القرآن يفيد أنها مرة تأتى لحساب الرقم المادي ، ومرة تأتى لحساب الإدراك الظني . فالحق يقول : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 ) ( سورة العنكبوت ) ومعناها : هل ظن الناس أن يتركوا دون اختبار لإيمانهم ؟ . هذا حساب ليس بالرقم ، وإنما حساب بالفكر ، والحساب بالفكر يمكن أن يخطئ ، ولذلك نسميه الظن . والحق سبحانه يقول : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) ( سورة المؤمنون ) إذن ، فكلمة « حساب » تأتى مرة بمعنى الشئ المحسوب والمعدود ، ومرة تأتى في